بتال القوس: مهاتير وأهلي جدة

مهاتير محمد ابن ماليزيا وصانع حضارتها المعاصرة، “عندما بدأ في عمله قال مقولته الشهيرة: يجب أن ننتقي من الثقافة الغربية ما يتناسب مع مجتمعنا ويدفعه للأمام، ونبتعد عن تحويل مجتمعنا إلى مسخ في صورة مقلدة مشوهة للآخرين”، كان الرجل الذي بقي 40 عاما رئيسا للوزراء في بلاده، وهي أطول فترة قضاها رئيس حكومة في آسيا، يعي جيدا ما يقول، فغدت ماليزيا في عهده بلدا متحضرا سبق كثيرا من النمور والزواحف الآسيوية، وهبطت نسبة الفقر في بلاده أكثر من 52 في المائة عما كانت قبله.

مهاتير الذي باع الفطائر في طفولته وشبابه لتوفير معيشة أسرته، يحب المفكر الجزائري مالك بن نبي ويعتنق كثيرا من أفكاره، عندما بدأ في تصفح ملف أنظمة المرور السيئة في بلاده، كتب على الملف مقولة ابن نبي الشهيرة: “نحن نستورد أدوات المدنية، لكن لا نتعامل معها بشكل حضاري”. وأقفل الملف، وبدأ العمل، بعد خمسة أعوام كانت الحركة في شوارع كوالالمبور تسير كالساعة.

لمهاتير محمد أو محاضر محمد، الكثير من المقولات والأحداث التي تستحق التوقف والتمعن، خاصة تلك المواقف التي أظهر فيها قدرة عالية في استخلاص الفوائد المناسبة لمجتمعه من النماذج الغربية.

.. في الرياضة السعودية ليس الأمر بعيدا عن بعض مقولات مهاتير، ونسعى غالبا إلى استجلاب ناجحين في مجتمعاتهم الرياضية الغربية، دون النظر إلى إمكانية الاستفادة تماما منهم، ومدى مواءمتهم للبيئة الجديدة وعقلية اللاعب والإداري الذين يشتركون معه في تشكيل منظومة العمل، ودون توفير الأجواء المناسبة لهم.

الشواهد على هذه القصة كثيرة، تتمثل في الهولندي فرانك ريكارد مع المنتخب، الهولندي الآخر فوكي بوي في النصر والحالة الشاخصة الآن، لهذا الرأي، تجربة فيتور بيريرا في الأهلي، فلا يمكن لمتابع عاقل، القول إن البرتغالي مدرب لا يفقه في التدريب وكرة القدم، مستندا في ذلك على تجربته السيئة حتى الآن مع الأهلي، وملغيا كل تاريخه الطويل مع المدورة، فالرجل لم يصحو من النوم ووجد نفسه على رأس الإدارة الفنية للأخضر الجداوي، بل يستند على مسيرة طويلة في الكرة، كانت ثمارها بطولات وإنجازات كبيرة في بلاده. وقبل أن تحط رحال ابن البرتغال على ساحل البحر الأحمر كان مطلوبا للعمل في إنجلترا المهد الأول للعبة.

أخبار متعلقة
1 من 19٬215

.. كل هذا التاريخ الناصع، يحمله بيريرا في سجلاته، لكنه حصد فشلا ذريعا مع الأهلي، فما الذي حدث؟ ولماذا فشل؟.

أعتقد أن الأهلي أخطأ في منح بيريرا كامل الحرية في تلوين المشهد، ورسم لوحته كما يرى هو، لا كما يتوافق مع الأجواء والعقليات، والمشاركين والبيئة المؤثرة والمتأثرة، أخطاء لأن بيريرا أصبح كمن يضع ماكينة فيراري النفاثة على جسد كورولا صغيرة، فلا الجسد احتمل ولا الماكينة النفاثة اشتغلت.

.. كان حري بالأهلاويين إدارة، أن يقتربوا من بيريرا أكثر، ويشرحوا له التجربة الاحترافية السعودية، والفروقات بينها وبين النموذج الأوروبي الذي أتى منه، ويسددوا ويقاربوا بين التجربتين حتى تسير العجلات بأحمالها.

لا يمكن لناقد موضوعي أن يعزل بيريرا عن كل إنجازاته التدريبية، ويلبسه ثوب الفشل الدائم بسبب فشله الوقتي، ولا يمكن للناقد نفسه عدم وصف تجربة فيتور مع الأخضر بالفشل الكبير حتى الآن. لكن ذلك كله لا يتعدى البكاء على اللبن المسكوب. أما الواقعية المستندة على العمل، فتبدأ خطواتها بتراجع البرتغالي الثائر عن بعض قراراته، أو تأجيلها مؤقتا، حتى يحضّر الجو المناسب لتنفيذها، متسلحا بنصائح الخبراء المحليين إن وجدوا، والحل الأكثر سهولة هو اقتلاع فيتور من المشهد والعودة للمربع الأول، فيما سيكون أسوأ الحلول الاستمرار على الخطوات نفسها بلا تبديل ولا تغيير، مستعينين بـ “لعل وعسى”، فقط.

نقلا عن: الاقتصادية