بتال القوس: تنقيط

يصور بعض العاملين في الأندية السعودية – رؤساء وشرفيون وجماهير، الإدارة الرياضية، كطاولة في مرقص عربي رخيص، يجلس عليها في كل ليلة زبون جديد، يرمي بالأوراق النقدية في الهواء وتتساقط على الأرض، وسط تعالي ضحكاته ومريديه إلى السماء، ينتفخ كالطاووس مدعوما بشعور كاذب يخيل له أنه أوسم شباب الكون رغم دمامته الفاضحة. وتعرف هذه العملية الاقتصادية الاجتماعية الرخيصة اصطلاحا لدى أهل الكار بـ “التنقيط”.

.. ولا توجد مرجعية تاريخية لغوية للتسمية، فيذهب البعض إلى أن التسمية تأتي من تساقط أوراق البنكنوت كنقط المطر في الشتاء، وآخرون إلى أنها جاءت من تسرب ضوابط العقل من رأس المنقط نفسه كنقط الماء على الأرض، وإن كنت أميل إلى الرأي الثاني.

والتنقيط ثقافة تعيسة، يشعر ممارسها بنشوة عارمة، تصور ذاته في خياله الكاذب كأحد فرسان القبيلة القدماء، الذين يحمون الديار ويردون الباغي المعتدي ويحوزون على إعجاب وألباب فتيات الحي. والتنقيط حالة وقتية، تخفي العقل، وتحفز الغرائز الأخرى فيتحول الفاعل – المنقط – إلى شهواني تتصدر شهوة التدمير تصرفاته وربما تنقلب عليه فيصبح أول ضحاياها، ولأنها حالة وقتية طارئة سخيفة، لا يحب أبطالها تذكر أحداثها وتفاصيلها بعد مرور زمن عليها خجلا، ولأن العقل يكون قد عاد للعمل بعد فترة سباته الطارئة.

ولا يهتم البطل الكاذب – المنقط – بقياسات العقل ومصالحه وتوسلاته لحظة فعلته الشنيعة، ولا يحفل بمصالحه الشخصية، ناهيك عن المصالح العامة، فينساق كالمخمور في طريق لا عودة عنها، حتى يصحو صباحا وهو لا يريد تذكر شيء مما حدث في ليلته، بل يتمنى أن ليلة البارحة كانت كابوسا أو ليلة سقطت من الذاكرة لا حقيقة، رغم أن أمواله المهدرة تبدد الأمنية.

.. تاريخيا، انتشرت ثقافة التنقيط التعيسة مع ثورة النفط في المجتمعات الخليجية، موجهة للمجتمعات اللا نفطية، مدعومة بقوة المال والحاجة من الجانبين، وظلت زمنا طويلا عنوانا رئيسا لسياحة بعض النفطيين في أرض الله الواسعة.

أخبار متعلقة
1 من 18٬519

ولا تحفل الحالة الطارئة التي يمر بها بطل الليلة الكاذبة، بأي تفاصيل مستقبلية، إذ يمكن أن يكون نجم المساء ومليونير الليلة البراقة، وفي الصباح يذهب إلى مكاتب الطيران لاستعادة مبلغ التذكرة ليشتري به غداء يومه، قبل أن يلاحق كل الموجودين في مذكرته الهاتفية طالبا المدد والعون.

في بعض أنديتنا، الأمر ليس بعيدا عن التنقيط في الصرف المالي، توقع الصفقات بأرقام فلكية، وفي الجهة الأخرى لا تصرف مرتبات اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية والعاملين أكثر من نصف عام، والمشهد وسط تصفيق المدرجات وتعالي أصواتها، تماما كتعالي أصوات السهرانين في ليلة التنقيط، لا يجد عاقلا يقول: توقفوا.

لا تبحث بعض أنديتنا ومسؤوليها عن مصالح فرقهم الفنية، عند استعراض الصفقات المحتملة صيفا وشتاء، وتندفع تحت شهوة التدمير فقط، وفق قاعدة “ناخذه ويصير خير، لا ياخذونه ويتقوون علينا”.

.. مع غياب القوانين الرادعة للأندية في سباقها السلبي نحو عقد الصفقات، تتضخم المديونيات، وينتشر الفساد المالي والإداري، ويجد المنتفعون بيئة خصبة للبقاء والتعايش كبكتيريا الإنفلونزا في مواسم الشتاء، وحتى يفيق المسؤول ويحكم القانون، ستستمر الحال نفسها، تنقيط في تنقيط يغيب العقل ولا يخدم المصالح المستقبلة لرياضتنا ولا ممارسيها ومحبيها.

 

نقلا عن الاقتصادية